
أيٌ مجتمعٍ هذا الذي نعيش فيه ؟ وأيٌ نخبةٍ هذه التي تتصدر المشهد الثقافي والإعلامي في العراق؟ وأيٌ بوصلةٍ هذه التي اختلت حتى صارت القضايا الكبرى على هامش الاهتمام ؛ فيما تتحول كلمةٌ قالتها فنانة إلى قضية رأي عام وتُستنفر من أجلها الأقلام والمنصات والمدونات ؛ وكأن مصير البلاد معلقٌ على جملةٍ عابرة؟
العالم من حولنا يغلي ؛ صراعاتٌ تعيد رسم خرائط النفوذ ؛ أزماتٌ اقتصادية تطحن الشعوب؛ تحوّلاتٌ أمنية تهدد استقرار الدول ؛ وملفاتٌ سياسية تتقرر على طاولاتها مصائر الملايين. وفي العراق حيث تتراكم الأسئلة المؤجلة؛ من الخدمات والبطالة والفساد إلى التعليم والصحة والسيادة ومستقبل الأجيال ؛ كان يُفترض أن تكون الكلمة موقفاً والقلم مسؤولية والمنصة نافذةً للوعي. لكن بعض المشهد الإعلامي قرر أن يمنح المعارك الصغيرة حجماً أكبر من أصحابها .. وأن يصنع من التفاصيل العابرة قضايا وطنية .. ومن الآراء الشخصية ساحاتٍ للمحاكمات الجماعية.
فما إن تعبر فنانة عن رأيها في موضوعٍ ما ؛ حتى تتحول المسألة إلى مهرجانٍ من التحليلات والتأويلات والاتهامات. يتبارى المدونون في اقتناص التفاعل ! ويتسابق المغردون إلى تسجيل المواقف ؛
ويستخرج بعض الكتاب من الجملة الواحدة مقالاتٍ لا تنتهي ؛ لا لأن القضية تستحق كل هذا الضجيج بالضرورة ؛،بل لأنّ الضجيج نفسه صار سلعةً رائجة .. والترند غايةً تبرر استهلاك الوقت والعقل والكرامة المهنية.
يا لها من مفارقة ! قد تمرّ كارثةٌ اقتصادية من دون نقاشٍ جاد ؛ وقد يُدفن ملف فساد تحت ركام النسيان ؛ وقد لا تجد أزمة تمس حياة الناس من يشرح أسبابها أو يحاسب المسؤولين عنها؛ لكن رأياً لفنانة قادرٌ على استنفار الجيوش الإلكترونية ؛ واستدعاء خبراء النوايا ؛ وإقامة محكمةٍ شعبية لا ينقصها إلا إصدار حكم الإعدام المعنوي!
المشكلة ليست في أن يناقش الناس رأي فنانة ؛ فالفنانون مواطنون ومن حقهم التعبير ؛ ومن حق الجمهور أن يوافقهم أو يخالفهم .
والمشكلة ليست في النقد ؛ بل في تحويل الاختلاف إلى حفلة تشهير وتحويل الرأي إلى ذريعة للاستعراض ؛ وتحويل كل حدثٍ صغير إلى معركةٍ كبرى ؛ بينما تُترك المعارك الحقيقية بلا خنادق فكرية ولا أصواتٍ مسؤولة.
إنّ المجتمع الذي يستهلك الجدل أكثر مما ينتج المعرفة ؛ ويحتفي بالإثارة أكثر مما يحتفي بالحقيقة ؛ ويمنح التفاهة ساعاتٍ من الاهتمام فيما يبخل على القضايا المصيرية بدقائق من التفكير ؛ ليس مجتمعاً تنقصه المعلومات بقدر ما تنقصه الأولويات.
وأما بعض الكتاب والمدونين والمغردين ..
فالسؤال الذي ينبغي أن يواجهوا به أنفسهم ليس كم تفاعلاً حصدنا؟ بل ماذا أضفنا إلى وعي الناس؟ هل كشفنا حقيقة؟
هل شرحنا أزمة؟
هل دافعنا عن حق؟ أم اكتفينا بنفخ شرارةٍ صغيرة حتى تبدو حريقاً؛ لأن الحريق يجلب المشاهدات ؛ ولأنّ العقل الهادئ أقل رواجاً من الانفعال الصاخب !