رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
من تاريخ الصحافة في محافظة ميسان ....الصحفي والأديب عبد المجيد حسن الصفار


المشاهدات 1058
تاريخ الإضافة 2026/10/28 - 11:06 PM
آخر تحديث 2026/10/29 - 1:55 AM

حين نستعيد تاريخ مدينة العمارة الثقافي، فإننا نستحضر رجالاً لم تكن أقلامهم مجرد أدوات للكتابة، بل كانت وسيلةً للتعبير عن نبض المجتمع، والكشف عن مواطن الخلل، والدفاع عن الأفكار التي آمنوا بها. وفي ذاكرة ميسان أسماءٌ ارتبطت بنهضة الأدب والصحافة، فأسهمت في بناء مشهدها الثقافي رغم ما واجهته من تحديات سياسية واجتماعية. ومن بين تلك الأسماء يبرز عبد المجيد حسن الصفّار، الأديب والشاعر والصحفي الذي جمع بين موهبة الكتابة وروح النقد، واتخذ من الصحافة ميداناً لنشر آرائه ومواقفه، فترك بصمة تستحق أن تُروى للأجيال التي لم تعاصر زمنه.
وُلد عبد المجيد حسن الصفّار في محافظة ميسان عام 1910، في مرحلة كان فيها العراق يمر بتحولات تاريخية كبيرة، و... كانت الحياة الثقافية تتشكل وسط ظروف اجتماعية وسياسية معقدة. اختار طريق التعليم، فعُيّن معلماً ودرس اللغة العربية، فكانت صلته باللغة أساساً مهماً في تكوين شخصيته الأدبية، ومصدراً من مصادر قدرته على التعبير عن أفكاره وصياغة مواقفه.
وقد تتلمذ على يد المرحوم السيد عبد المطلب الهاشمي، مستفيداً من معارفه وتوجيهاته في رحلته الفكرية. ومع مرور الوقت، اتسعت اهتماماته لتشمل الأدب والشعر والصحافة والسياسة، فلم يعد اهتمامه مقتصراً على ميدان واحد، بل أصبح من أصحاب الأقلام التي تتناول شؤون الحياة المختلفة، وتربط بين الثقافة والواقع الذي يعيشه الناس.
لم يكن عبد المجيد حسن الصفّار بعيداً عن الحياة السياسية في زمنه؛ فقد انخرط في العمل السياسي منذ شبابه، واتخذ موقفاً معارضاً للحكم الملكي في العراق. وقد انعكس هذا التوجه على طبيعة كتاباته، التي اتسمت بالنقد والاهتمام بقضايا الشعب، في ظل الأوضاع السياسية التي شهدتها البلاد خلال تلك المرحلة.
وكان من الكتّاب الذين نشروا مقالاتهم في جريدة «الكحلاء»، مشاركاً بذلك في النشاط الصحفي الذي عرفته مدينة العمارة. وقد مثّلت الصحافة بالنسبة إليه مجالاً لتجاوز حدود الكتابة الأدبية التقليدية إلى مناقشة القضايا السياسية والاجتماعية، والتعبير عن آرائه بشأن واقع البلاد ومستقبلها.
جمع الصفّار بين الشعر والأدب والصحافة، وتمتع بأسلوب جريء في الكتابة، فكان يميل إلى النقد الصريح ولا يكتفي بوصف الأحداث، بل يسعى إلى مناقشة أسبابها وآثارها. ومن هنا، ارتبطت سيرته بمرحلة كان فيها القلم يؤدي دوراً مهماً في تشكيل الوعي، وكانت الصحف المحلية إحدى الوسائل المتاحة أمام المثقفين للتعبير عن أفكارهم والتواصل مع المجتمع.
كان اهتمام الصفّار بالصحافة امتداداً طبيعياً لشغفه بالأدب ورغبته في إيجاد منبر يتيح للكتابة حضوراً أوسع. وقد ارتبط اسمه بجريدة «الكمال» التي ظهرت في تاريخ الصحافة المحلية بوصفها صحيفة أسبوعية ذات طابع ثقافي وأدبي، صدرت في العمارة عام 1938، وكان المحامي محمود كمال قبطان صاحبها ومديرها المسؤول، فيما تولّى عبد المجيد حسن الصفّار إدارة شؤونها.
وفي مرحلة لاحقة، تشير المعلومات المتداولة عن سيرته إلى أنه أصدر مجلة أدبية باسم «الكمال» بعد الأربعينيات، وهو ما يعكس استمرار اهتمامه بالعمل الثقافي وسعيه إلى توفير مساحة للنشر الأدبي والفكري.
وقد جاءت هذه التجربة في زمن كانت فيه الصحف والمجلات تؤدي دوراً محورياً في تنشيط الحياة الثقافية، إذ كانت تتيح للأدباء نشر نتاجاتهم، وتفتح المجال أمام القراء للاطلاع على الآراء والأفكار الجديدة. وبذلك، ارتبطت تجربة الصفّار بمحاولات ترسيخ حضور الأدب والصحافة في العمارة، والإسهام في بناء بيئة ثقافية تتفاعل مع قضايا المجتمع وتطوراته.
وواصل الصفّار نشاطه في ميدان الصحافة خلال خمسينيات القرن العشرين، من خلال جريدة حملت اسم «الفيلسوف»، تولّى المحامي المرحوم شهاب القرملي رئاسة تحريرها، وفق المعلومات الواردة في سيرته.
وقد شهدت تلك السنوات صراعات سياسية وتحولات متلاحقة انعكست على الصحافة العراقية، فواجهت بعض الصحف قيوداً وضغوطاً أثّرت في استمرار صدورها. ولم تكن تجربة «الفيلسوف» بمنأى عن تلك الظروف، إذ أُغلقت لأسباب سياسية، بحسب الرواية المتداولة عن مسيرتها.
وتكشف هذه المحطة عن جانب من الصعوبات التي أحاطت بالعمل الصحفي في تلك المرحلة، ولا سيما عندما تتقاطع الكتابة النقدية مع الخلافات السياسية. كما تؤكد أهمية توثيق تاريخ الصحف المحلية، لأنها لا تمثل مجرد مطبوعات قديمة، بل شواهد على طبيعة الحياة العامة، وحدود حرية التعبير، والعلاقة بين المثقف والسلطة في زمن صدورها.
ولم يتوقف طموح الصفّار الصحفي عند التجارب السابقة، بل ارتبط اسمه بإصدار جريدة «صوت الجنوب»، التي مثّلت محطة بارزة في تاريخ الصحافة بمدينة العمارة.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن جريدة «صوت الجنوب» صدرت في 12 شباط 1950، وكان عبد المجيد حسن الصفّار صاحب امتيازها، كما ارتبط اسمه برئاسة تحريرها في بعض الروايات المحلية. وتذكر المعلومات التي أوردتها الروايات المتعلقة بسيرته أنه أصدرها عام 1953؛ لذلك يبقى تحديد تاريخ انطلاقها بدقة بحاجة إلى الرجوع إلى أعدادها الأصلية والسجلات الصحفية المعتمدة.
ومهما يكن من اختلاف في تحديد سنة الإصدار، فإن ارتباط الصفّار بهذه الجريدة يعكس استمرار حضوره في ميدان الصحافة، وإصراره على مواصلة نشاطه الثقافي والإعلامي في مرحلة لم تكن تخلو من التحديات.
لقد مثّلت الصحافة المحلية آنذاك مساحة للتعبير عن قضايا المجتمع الجنوبي، وتناولت شؤون الحياة العامة في مدينة العمارة ومحيطها. ومن هذا المنطلق، فإن «صوت الجنوب» تستحق أن تُدرس بوصفها جزءاً من تاريخ الصحافة في ميسان، وأن يُبحث في أعدادها ومضامينها للكشف عن طبيعة الموضوعات التي تناولتها، والأقلام التي شاركت فيها، والأفكار التي حملتها إلى قرائها.
موقفٌ اجتماعي وحضورٌ إنساني. 
لم تكن شخصية عبد المجيد حسن الصفّار محصورة في عالم الصحف والمقالات، فقد عُرف، وفق ما ورد في المعلومات التي تناولت سيرته، بعلاقاته الاجتماعية الطيبة، وكان إنساناً ودوداً وأليفاً في تعامله مع الآخرين، يمتلك حضوراً اجتماعياً مميزاً.
وهذه الصورة تضيف بعداً إنسانياً إلى سيرته؛ فالرجل الذي عرفه الناس من خلال مقالاته ومواقفه كانت له، إلى جانب ذلك، علاقات اجتماعية وروابط إنسانية أسهمت في حضوره داخل المجتمع المحلي.
وقد كرّس الصفّار جانباً مهماً من حياته للكتابة والعمل الصحفي، مؤمناً بأهمية الكلمة الصادقة والموقف الشجاع، ومناهضاً للفساد بمختلف أشكاله، وفق ما ترويه المعلومات المتعلقة بمسيرته. وقد ارتبطت كتاباته برؤيته السياسية والاجتماعية، وباهتمامه بمصالح الشعب في ظل الحكم الملكي الذي عارضه.
ومن خلال هذه الجوانب تتضح ملامح شخصية جمعت بين الأديب والصحفي وصاحب الموقف، وبين المثقف الذي ينشغل بالشأن العام والإنسان الذي يحافظ على علاقاته الاجتماعية. وهي جوانب تستحق أن تحظى بمزيد من البحث والتوثيق، لتكتمل صورة هذه الشخصية في سجل أعلام ميسان.


تابعنا على
تصميم وتطوير