
تنتاب المتابع اليقظ لما يجري و يدور في العالم من تطورات تنحو في مجملها نحو تأزيم العلاقات الدولية و تأجيج الصراعات بين القوى المؤثرة في النظام العالمي ، شكوك حقيقية حول حقيقة هذه التطورات و الأهداف المتوخاة منها . إذ لم يعد مستساغا للمتابع اليقظ التعاطي مع ما يحدث بالعفوية و التلقائية ، بل صار هذا المتابع اليقظ ينظر إلى مجمل التطورات المتسارعة بهاجس نقدي متفطن . لا أحد يمكنه أن يستهين بالمواجهات العسكرية العنيفة الدائرة رحاها في كثير من مناطق العالم ، حيث تحاول القوى الكبرى العالمية ،كل واحدة من جهتها ، الحسم في العديد من القضايا الخلافية و النزاعات الملتهبة ، كما الشأن بالنسبة إلى الحرب الأمريكية الإيرانية التي اختارت لها الإدارة الأمريكية إسم ( الغضب الملحمي ) بينما اختارت لها حكومة الاحتلال الإسرائيلي شعار ( زئير الأسد ) و التي عمرت لحد الآن لأكثر سبعة أشهر . و الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت شرارتها منذ ما يزيد على أربع سنوات . و كان العنوان البارز لهذه المواجهات العنيفة أن اختلت سلاسل الإنتاج و التسويق في النظام التجاري و الاقتصادي العالمي مما كان سببا مباشرا و رئيسيا في حدوث هزات عنيفة في أسعار جميع المنتوجات و المواد الغذائية و الصحية و العقارية و الصناعية و الخدماتية . و النتيجة الواضحة في كل ما حدث أن توفرت التربة المناسبة للشركات التجارية و الصناعية العالمية التي حققت أرباحا مالية مهولة . و من هنا تجلت شكوك حقيقة لدى المتابع اليقظ تؤكد أن تواتر هذه التطورات العنيفة في الأوضاع العالمية لم يكن من قبيل الصدفة ، و أن الأهداف المتوخاة منها لا تقتصر على ترجيح كفة جهة من الجهات المتصارعة، بل إن امتدادات ما يجري و الأهداف الخفية منها تطال جوانب اقتصادية و تجارية و مالية محضة ، سواء ا كان ذلك بإرادة من القوى المتصارعة ، أو لأن الشركات الاقتصادية و الصناعية و التجارية و الخدماتية العالمية الكبرى و العملاقة تنتهز بذكاء ، و حتى بخبث ، أزمنة المواجهات العنيفة لمراكمة الأرباح المالية الطائلة . و هكذا فإن هذه المواجهات مثلت بيئة مناسبة لأوساط مالية عالمية لتحقيق أهداف تتجاوز حدود و مساحات المواجهات العنيفة لتمتد إلى ما هو مالي صرف ، و لإنجاح هذا المخطط الخبيث كان لا بد من تكليف وسائل الإعلام الطيعة ببث أجواء القلق و الخوف و سيادة حالة اللايقين من خلال اعتماد نفس السردية التي تتكرر باستمرار ،و التي تطوع الشخص المستهلك و تحوله إلى ضحية سهلة ، و هو الذي يطالع في كل لحظة وحين أخبار الأزمات و المواجهات العنيفة و خطورتها البالغة على حياته و أمنه و استقراره ، بل تزيد حدة الضغط و محاولة الإخضاع بتكثيف نشر التقارير و النصائح المتعلقة بكيفة التصرف و التعايش مع التصعيد من قوة المواجهات ، و هذا ما يبدو واضحا الآن في كثير من الدول الأوروبية على الأقل، حيث تسوق كثير من وسائل الإعلام لتقارير تقول انها رسمية تدعو المواطنين إلى تخزين الأغذية تحسبا لما تدعيه ( اليوم الموعود ) . إننا بكل تأكيد أمام مرحلة دقيقة يتم فيها صناعة الخوف و تسليع الأزمات في مواجهات عنيفة بين قوى عالمية موثرة في النظام العالمي الجديد ، تارة باسم المواجهة الأمريكية الصينية و أخرى باسم الحرب الروسية الأوكرانية ،و ثالثة بعنوان الحرب الأمريكية الإيرانية و رابعة بهاجس الخلافات التجارية المتصاعدة بين دول الاتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة ، و غيرها كثير بما في ذلك محاولات افتعال أزمات صحية عالمية جديدة ،كما كان الحال عليه قبل شهور بمتلازمة فيروس ( هانتا ) الذي اختفى فجأة بعدما فعل فعله في الشعور العام العالمي . إن المتابعة النقدية اليقظة لما يتوالى من تطورات عنيفة تدفع إلى الاعتقاد بأن الأحداث السياسية أضحت خدومة طيعة لأهداف تجارية و اقتصادية و مالية تديرها بحنكة كبيرة و بمكر قوي ، أوساط اقتصادية ضخمة ، و أن السياسيين و وسائل الإعلام صاروا مجرد أدوات تنفيذ و تسويق لتسليع الحرب و صناعة الخوف .