رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
إنجيل سومر...ألواح الطين تروي حكاية الإنسان الأول


المشاهدات 1111
تاريخ الإضافة 2026/11/02 - 12:43 AM
آخر تحديث 2026/11/02 - 12:25 PM

سناء النقاش
خزعل الماجدي يستعيد عالم الآلهة والخلق والطوفان والملوك في ذاكرة حضارة وُلدت في جنوب العراق
يأخذنا الباحث والكاتب العراقي خزعل الماجدي في كتابه «إنجيل سومر» إلى عالم الحضارة السومرية، حيث تتداخل الأساطير مع تصورات الإنسان القديم عن نشأة الكون، وظهور الآلهة، وخلق البشر، وبداية الملكية، والصراع بين قوى الخير والشر. ويعيد الكتاب فتح نافذة على واحدة من أقدم الحضارات التي ازدهرت في جنوب العراق، وأسهمت في تشكيل الذاكرة الثقافية والدينية لبلاد الرافدين.
صدر الكتاب عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان عام 1998، عدد صفحاته  247 صفحة. ويقوم العمل على جمع النصوص والمرويات الروحية السومرية وإعادة تنظيمها وتبويبها وصياغتها في بناء متصل، مدعوم بالصور والأشكال والمراجع، بهدف تقديم صورة مترابطة عن العالم السومري ومعتقداته.
ولا يقتصر اهتمام الكتاب على سرد الحكايات القديمة، بل يتجه إلى تقديمها ضمن رؤية تسعى إلى الكشف عن الكيفية التي تخيل بها السومريون نشأة العالم، وفهموا موقع الإنسان فيه، وربطوا بين السلطة والآلهة والحياة اليومية.
*ثلاثة عوالم في كتاب واحد
يقسم الكتاب مادته إلى ثلاثة محاور رئيسية تحمل عناوين «بلبال الآلهة»، و«بلبال الإنسان»، و«بلبال الملوك»، وهي محاور تنتقل بالقارئ من قصة الكون والآلهة إلى مصير الإنسان، ثم إلى نشأة الحكم والملكية في سومر.
أولاً: بلبال الآلهة
يتناول هذا القسم تصورات السومريين عن الخليقة وظهور الآلهة، وما ارتبط بها من صراعات مع ق    وى الطبيعة والعالم الأسفل. وتكشف عن محاولة الإنسان القديم تفسير الظواهر التي تحيط به، ومنح الكون نظاماً ومعنى من خلال شخصيات وقوى إلهية تتصارع وتتعاون. وتكتسب هذه القصص أهميتها من كونها تعكس جانباً من التفكير الديني والفلسفي لدى السومريين، وتوضح كيف ارتبطت تصوراتهم عن الكون بالطبيعة والحياة والموت.
*ثانياً: بلبال الإنسان
ينتقل الكتاب إلى حكاية خلق الإنسان، التي ترتبط في المرويات السومرية بتعب الآلهة من العمل وحاجتها إلى من يحمل بعض أعبائها ،ثم يتابع مسيرة البشر وتكاثرهم، وصورة العصر الذهبي، قبل الانتقال إلى الشرور والآلام التي عرفتها الحياة، وصولاً إلى قصة الطوفان. ويفتح هذا المحور باباً للتأمل في نظرة الإنسان السومري إلى وجوده، وإلى العلاقة بين الحياة والمشقة، وبين النظام والفوضى، وبين الأمل بالخلاص والخوف من الكوارث .كما تتيح قصة الطوفان المقارنة بين المرويات الرافدينية القديمة وما ظهر لاحقاً من قصص مشابهة في تقاليد حضارية ودينية أخرى، مع ضرورة دراسة أوجه التشابه والاختلاف بالرجوع إلى النصوص ومصادرها.
*ثالثاً: بلبال الملوك
يركز القسم الأخير على فكرة هبوط الملكية من السماء إلى سومر، وعلى الملوك والأبطال الذين ارتبطت أسماؤهم بتاريخ المدن السومرية. ويتابع المرويات المتعلقة بالسلطة والحكم، وصولاً إلى سقوط دولة أور وزوال الدور السياسي المستقل لسومر.
ويبرز هنا ارتباط الملكية بالمقدس في المخيلة السومرية؛ إذ لم تكن السلطة مجرد تنظيم دنيوي، بل ارتبطت بشرعية دينية وبفكرة النظام الذي يحفظ استقرار المدينة. وتساعد هذه المرويات على فهم الطريقة التي صاغ بها السومريون ذاكرتهم عن الحكام والمدن والتحولات الكبرى.
*بين الأسطورة والتاريخ
تنبع أهمية «إنجيل سومر» من محاولته تقديم مادة أسطورية وروحية واسعة في صورة مترابطة، تتيح للقارئ غير المتخصص الاقتراب من عالم سومر ومفاهيمه ،ويلفت الكتاب الانتباه إلى غنى التراث الرافديني، وإلى ضرورة التعامل معه بوصفه جزءاً أصيلاً من تاريخ العراق الثقافي والحضاري.
لكن قراءة هذا النوع من الكتب تتطلب التمييز بين النصوص القديمة كما وردت في مصادرها المسمارية، وبين إعادة ترتيبها أو صياغتها أدبياً في عمل حديث ،فالمروية الأسطورية ليست وثيقة تاريخية بالمعنى المباشر، وإن كانت مصدراً مهماً لفهم المعتقدات والرموز والتصورات الاجتماعية والدينية،كذلك فإن تحديد الوقائع التاريخية يحتاج إلى مقارنتها بالنقوش والآثار والدراسات المتخصصة.
ومن هنا، فإن القيمة المعرفية للكتاب لا تكمن في تحويل الأسطورة إلى حقيقة تاريخية، بل في إتاحة فرصة للتعرف إلى العالم الذهني والروحي الذي عاش فيه السومريون، وكيف فسروا نشأة الكون والإنسان والسلطة.
*ذاكرة حضارية تستحق القراءة
يمثل «إنجيل سومر» محاولة لإعادة تقديم الموروث السومري للقارئ المعاصر، وإبراز ما تحمله نصوصه من أسئلة عن الخلق والحياة والموت والحكم ،وتزداد أهمية هذه المحاولة في العراق، حيث نشأت سومر وتركت آثاراً ما زالت تشهد على إسهام الإنسان الرافديني في بناء الحضارة الإنسانية.
إن العودة إلى النصوص السومرية ليست مجرد استعادة لحكايات بعيدة، بل هي فرصة لفهم جانب من تاريخ الأفكار والمعتقدات التي رافقت المجتمعات الأولى .ويظل الكتاب مدخلاً إلى هذا العالم، على أن تكتمل قراءته بالرجوع إلى النصوص الأصلية والدراسات الأثرية والتاريخية، حتى تبقى المسافة واضحة بين سحر الأسطورة ودقة البحث العلمي 
انصح عشاق التاريخ بقرائته خاصة عشاق العراق


تابعنا على
تصميم وتطوير