رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
سيكولوجية الاعتراف الكاذب ...لماذا يعترف الأبرياء بجرائم لم يرتكبوها؟


المشاهدات 1116
تاريخ الإضافة 2026/11/02 - 12:44 AM
آخر تحديث 2026/11/02 - 12:25 PM

شهد عام 1932 اختطاف ابن الطيار الشهير تشارلز ليندبيرغ، وهي قضية شغلت الرأي العام، وتقدم فيها مائتا شخص طواعية للاعتراف بارتكاب الجريمة. تكرر الأمر نفسه عام 1986 بعد اغتيال رئيس الوزراء السويدي أولاف بالمه، إذ زاد عدد المعترفين بالجريمة على مائة شخص. تقدم هذه الحالات مدخلا إلى ظاهرة الاعترافات الكاذبة، أي الحالات التي يقر فيها شخص بارتكاب عمل إجرامي لم يقترفه. وهي ظاهرة تضع أجهزة إنفاذ القانون والمحاكم أمام مشكلة تتجاوز البحث عن الجاني، لأنها تثير أسئلة عن البنية النفسية للمشتبه بهم تحت ضغط الاستجواب.
تتعدد الدوافع النفسية والظرفية التي تدفع فردا بريئا إلى تقديم اعتراف كاذب. من بينها الرغبة في حماية شخص آخر من الإدانة، أو محاولة الهروب من ضغوط التحقيق داخل غرف الاستجواب، مع اعتقاد بأن الاعتراف سيفضي إلى إطلاق السراح فور تبين الحقائق لاحقا. وتتكون فئة أخرى من أشخاص يقتنعون داخليا بأنهم ارتكبوا الجريمة فعلا، وهي حالة تستدعي النظر في عمل الذاكرة البشرية واستجابتها للإيحاء.
يفسر علم النفس المعرفي هذه الظاهرة برفض التصور الكلاسيكي الذي يشبه الذاكرة بلوح تصوير أو شريط تسجيل يحتفظ بالأحداث كما وقعت. فالذاكرة عملية بنائية نشطة تتشكل من شظايا الملاحظات والاحتمالات المتاحة وقت الحدث. وتتأثر هذه العملية بالأسئلة المطروحة لاحقا؛ فإذا سُئل شاهد أو مشتبه به عن سيارة حمراء مرت بمكان الحادث، فقد يستبطن هذا الاقتراح في المقابلات اللاحقة ويعتقد صادقا أنه رأى تلك السيارة، حتى لو لم يكن لها وجود في الواقع. ومع التعب أو الكحول أو الشعور بالذنب أو تكرار الأسئلة الإيحائية، يضعف يقين المشتبه به ويحل محله سيناريو الجريمة الذي يقترحه المحققون.
تتسع دائرة الخطر لتشمل فئات أكثر هشاشة من الناحيتين النفسية والاجتماعية، تستجيب سريعا للضغوط الضمنية. منها الأشخاص المصابون باضطرابات عقلية كالفصام، إذ تتلاشى لديهم الحدود بين الخيال والواقع، والأفراد ذوو القدرات العقلية المحدودة الذين قد يعجزون عن إدراك التبعات القانونية لاعترافاتهم.
لتحويل هذه الملاحظات الإكلينيكية إلى أداة قياس علمية، ابتكر عالم النفس جيسلي جوديونسون مقياسا لاختبار قابلية الأفراد للإيحاء. يُتلى على الفرد نص قصة ثم يُسأل عن تفاصيلها، وتتضمن الأسئلة جوانب مضللة لم تذكر فيها، ثم يُخبر بأنه ارتكب أخطاء ويُلزم بالإجابة مجددا. وتقيس الأداة حجم التغير في الإجابات ومقدار التخلي عن القناعات الشخصية تحت الضغط. ظهرت الأهمية التطبيقية لهذا المقياس في قضية «متهمي برمنجهام الستة» في بريطانيا، إذ أسهمت شهادة جوديونسون القائمة على الاختبار في إطلاق سراح رجال أدينوا بالتسبب في وفاة واحد وعشرين شخصا، بعد أن أظهر المقياس أن قابلية المعترفين للإيحاء تفوق المعدلات الطبيعية بكثير.

من صقحة سالم المعرفة.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير