
باريس/متابعة الزوراء:
ليس ثمة ما هو أكثر دلالة على طبيعة السلطة الحاكمة في أي بلد مِن الطريقة التي تتعامل بها مع الصحافة. الحكومات الواثقة بشرعيتها لا تحتاج إلى ملاحقة الصحفيين، ولا اعتقالهم، ولا شيطنتهم، ولا إغلاق مؤسساتهم. الحكومات التي تفعل ذلك هي التي ترى في كل سؤال تهديداً لها، وفي كل تحقيق صحفي مؤامرة، وفي كل خبر اعتداء على الأمن القومي.
ما يحدث في العالم اليوم ليس مجرد حوادث متفرقة يمكن وضعها في خانة الانتهاكات التي تطال مهنة الصحافة. نحن أمام علاقة آخذة في التوحش بين السلطة والحقيقة.
في روسيا، تنهي صحيفة نوفايا غازيتا، المعارضة للكرملين وللحرب على أوكرانيا، ما تبقى من وجودها في موسكو، بعد سنوات من الملاحقات والمضايقات وسحب ترخيصها الإعلامي وتصنيفها «عميلاً أجنبياً»، وكذلك قتل عدد من صحفييها وعلى رأسهم آنا بوليتكوفسكايا التي أمضت سنوات وهي تحقق في مزاعم انتهاكات ارتكبها الجيش الروسي خلال حملاته في الشيشان.
خلال الأسبوع نفسه، تحكم القاهرة بإغلاق موقع مدى مصر ومصادرة معداته وتغريم رئيسة تحريره لينا عطا الله ثلاثة ملايين جنيه (نحو 51 ألف دولار أميركي). التهمة؟ العمل من دون ترخيص. لكن المؤسسة تقول إنها تقدمت بطلبات ترخيص منذ 2018، من دون جدوى. في اليوم نفسه وفي القاهرة أيضاً، مُدّد حبس ستة صحفيين، هم كامل فريق تحرير منصة متصدقش. إذاً، في السجون المصرية اليوم 26 صحفياً. ولا تقف حدود الملاحقة عند المؤسسات والعاملين فيها، فحتى الكتابة عن أوضاع السجون باتت جريمة، كما في قضية أحمد دومة الذي صدر بحقه حكم بالسجن عاماً مع الشغل والنفاذ، بعد إدانته في قضية تتعلق بـ»نشر أخبار وبيانات كاذبة»، على خلفية مقال كتبه في موقع العربي الجديد، تحت عنوان «من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن». وللمفارقة، فإن موقع العربي الجديد محجوب في مصر منذ 2015.
الحالات المذكورة أعلاه تكشف أن السلطة لم تعد تكتفي باستدعاء صحفي للتحقيق هنا، أو إيداع آخر السجن هناك، أو حذف مقال ما. أصبحت أكثر وقاحة من ملاحقة كل صوت على حدة، إلى إلغاء وجود المؤسسة كاملة التي تضم هذه الأصوات ومحوها من الخريطة الإعلامية.
في تونس، حيث وعدت ثورة الياسمين بعهد جديد وبصحافة تتحرر من وصاية السلطة، لم يبقَ من ذلك الوعد الكثير. فمنذ استئثار قيس سعيّد بالسلطة في يوليو/تموز 2021، أخذت البلاد تعود، تدريجياً، إلى المربع الذي ظن التونسيون أنهم غادروه. يقبع الصحفيون زياد الهاني ومراد الزغيدي وبرهان بسيّس ومحمد اليوسفي في السجن. هيـثم المكي حكم عليه بالسجن عاماً، فغادر تونس، وصدر غيابياً حكم بالسجن أربع سنوات على خولة بوكريم، مؤسسة موقع توميديا، فيما طالت الملاحقات غسان بن خليفة رئيس تحرير موقع إنحياز. موقع نواة عُلق نشاطه، فيما يواجه «إنكفاضة» مساراً قضائياً يستهدف الشركة الناشرة له.
وفي السودان، لا يواجه الصحفي سلطة واحدة، بل طرفي حرب يتنازعان الأرض ويضيقان معاً بالرواية التي لا تصدر عنهما. قوات الدعم السريع، وكذلك الجيش السوداني، تعتقل الصحفيين وتضيق الخناق على المؤسسات الإعلامية. وفقاً للجنة حماية الصحفيين، قُتل ما لا يقل عن 16 صحفياً وعاملاً في الإعلام منذ اندلاع الحرب هناك، وأخفي قسراً صحفيون، فيما أغلقت مؤسسات إعلامية أو دُمّرت وأُجبر العاملون فيها على النزوح أو المنفى.
أصبحت السلطة أكثر وقاحة من ملاحقة كل صوت على حدة، إلى إلغاء وجود المؤسسة كاملة التي تضم هذه الأصوات ومحوها من الخريطة الإعلامية
وفي لبنان، تقتل إسرائيل صحفيين وتستهدف الطواقم الإعلامية جنوبه، فيما تتكفل السلطة اللبنانية والأحزاب والمصارف بالملاحقات القضائية والتهديد والتشهير والضغط المالي. وفي سورية حيث اتسع هامش العمل الصحفي قياساً بما كان عليه في عهد النظام السابق، لم تتحرر السلطة الجديدة تماماً من إغراء السيطرة على الرواية. وزارة الإعلام نفسها وضعت ستة محظورات للنشر، من بينها «المساس بسيادة الدولة» و»نشر المعلومات الكاذبة»، وهي عبارات فضفاضة تصلح، متى شاءت السلطة، لتوسيع دائرة الممنوعات. كما تُركت المؤسسات المستقلة أمام تراخيص مؤقتة ومكلفة، وقوانين موروثة من عهد الأسد، وضغوط غير رسمية ورقابة ذاتية. وفي تركيا تتوالى الملاحقات والاعتقالات وتُحجب حسابات الصحفيين والمؤسسات الإعلامية. وتكفي الإشارة إلى أن أنقرة تضع يدها على تسع وسائل من كل عشر في الإعلام الوطني للقول إن الرقابة هناك لم تعد هي الاستثناء، بل الإعلام المستقل.
أما في غزة، فقد بلغ استهداف الصحافة مستوى لا تكفي معه مفردات التضييق والرقابة لوصف ما يجري. فمنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي مئات الصحفيين والعاملين في الإعلام، واعتقلت آخرين، ودمّرت مقار مؤسسات إعلامية ومنازل صحفيين، فيما بقي دخول الصحافة الدولية المستقلة إلى القطاع محظوراً. وفي الضفة الغربية، بات المستوطنون شركاء جيش الاحتلال في الاعتداء على الصحفيين ومنع التغطية. في سبتمبر/أيلول الماضي وحده، سجل مركز مدى 44 انتهاكاً إسرائيلياً بحق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية هناك. ويُستكمل هذا التنكيل بالاعتقال الإداري والحبس الاحتياطي، حيث يُزجّ بالصحفيين في السجون شهوراً بلا محاكمة.
داخل إسرائيل نفسها، لم تعد الصحافة الناقدة تتمتع بوهم أنها على مسافة من السلطة، إذ حوّل بنيامين نتنياهو المؤسسات الإعلامية المستقلة إلى خصم سياسي يشهّر به ويحاصره، مستهدفاً «هآرتس» والقناتين 12 و13.
(عن/صحيفة العربي الجديد)