
تُنسب إلى الفيلسوف الصيني كونفوشيوس حكمة بليغة تقول: «لا تعطِني سمكة، بل علّمني كيف أصطادها». وهي، وإن اختلفت الروايات حول أصل صياغتها، تختصر فلسفة عميقة في مسألة المساعدة الإنسانية: ثمة فرق كبير بين أن تمنح الإنسان ما يسدّ جوعه اليوم، وأن تمنحه القدرة على تأمين طعامه غداً، وأن تهيّئ له الظروف ليعيش بكرامة من دون أن يمدّ يده إلى أحد.
ليست المشكلة في إطعام الجائع أو مساعدة المحتاج، فذلك واجب إنساني لا جدال فيه، ولا يمكن أن نطلب من إنسان أنهكه الفقر أن ينتظر حتى تُحلّ مشكلات الاقتصاد التي يطول تفاصيل معوقاتها وشرحها.. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المساعدة المؤقتة إلى بديل دائم عن العمل والإنتاج، وحين تصبح معالجة الفقر مقتصرة على توزيع السلال الغذائية والمبالغ المالية، بدلاً من معالجة الأسباب التي صنعت الفقر وأبقت أبوابه مفتوحة.
في العراق، تعمل منظمات إنسانية كثيرة على تقديم المساعدات للفئات الأشد احتياجاً، وهو جهد لا يمكن إنكار أهميته، خصوصاً في أوقات الأزمات..لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: كم شخصاً استطاعت هذه البرامج أن تنقله من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج؟ وكم عائلة باتت قادرة على إعالة نفسها بعد انتهاء المساعدة؟.
والمطلوب أن تتجه برامج المنظمات، بالتعاون مع الدولة والقطاع الخاص، إلى التدريب المهني، وتمويل المشاريع الصغيرة، وتوفير الأدوات اللازمة للعمل، ومساعدة الشباب والنساء على تأسيس مصادر دخل مستدامة.والمسؤولية الكبرى في هذا الموضوع تقع على عاتق الحكومة.. كيف نريد تقليص الفقر فيما المصانع معطلة أو تعمل بأقل من طاقتها، والأراضي الزراعية لا تستثمر بما يكفي، والمنتجات المحلية تنافس بصعوبة البضائع المستوردة، وآلاف الشباب يبحثون عن فرصة عمل لا يجدونها؟
إن الانتقال من مجتمع منتج إلى مجتمع استهلاكي ليس قدراً محتوماً. ويمكن تغييره إذا أعادت الحكومة تشغيل المصانع المتوقفة، ودعمت الزراعة والصناعات المحلية، وربطت التعليم بحاجات سوق العمل، ووفرت بيئة تشجع الاستثمار وتضمن حقوق العاملين. كما ينبغي ألا تكتفي المنظمات بتقديم العون العاجل، بل أن تجعل التمكين الاقتصادي جزءاً أساسياً من برامجها.
الفقر لا يُهزم بتوزيع السمك وحده، بل ببناء اقتصاد يتيح لكل إنسان أن يصطاد. والمساعدة الحقيقية ليست أن يبقى المواطن منتظراً لمن يمنحه قوت يومه، وإنما أن تصبح لديه فرصة للعمل، وأداة للإنتاج، وأمل بمستقبل لا تتحكم فيه الحاجة. فالدولة التي توزع المساعدات تخفف الألم. أما الدولة التي تخلق فرص العمل فتحاصر أسبابه. وبين الأمرين تتحدد قيمة السياسات، ومعنى العدالة الاجتماعية، ومستقبل وطن لا تنقصه الثروات بقدر ما يحتاج إلى إدارة تحوّلها إلى إنتاج وكرامة، لذا نقول لا تعطني سمكة وإنما علمني كيف اصطادها.