رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
نجيب المانع مبدع أعادته الذاكرة الثقافية إلى واجهة المشهد الأدبي


المشاهدات 1159
تاريخ الإضافة 2026/11/04 - 8:37 PM
آخر تحديث 2026/11/05 - 2:35 PM

في محاولة لاستعادة أحد الأسماء الأدبية التي تركت بصمتها العميقة في مسيرة الحداثة العراقية وغابت طويلاً عن دائرة الاهتمام النقدي، أقام الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ندوة أدبية وثقافية بعنوان  ــ تجربة نجيب المانع القصصية ــ  استضاف فيها القاص والروائي والباحث الدكتور لؤي حمزة عباس، للحديث عن تجربة الأديب والمترجم والناقد العراقي الراحل نجيب المانع، وما انطوت عليه كتاباته من رؤى فكرية وجماليات سردية تستحق إعادة القراءة والدرس.
وجاءت الندوة متزامنة مع مشروع ثقافي وبحثي مهم تمثل في كتاب .. الدرس الأول.. قصص نجيب المانع القصيرة جمع ودراسة  للدكتور لؤي حمزة عباس، وهو عمل يسعى إلى جمع النصوص القصصية للمانع وإعادة تقديمها للقراء والباحثين، بعد سنوات طويلة من غيابها عن التداول الثقافي والنقدي.
وفي مستهل الندوة أشار مقدم الأمسية إلى أن الاحتفاء بالأسماء الإبداعية الاستثنائية يمثل فعلاً من أفعال استعادة الذاكرة الحضارية والإنسانية، ومحاولة لترميم ما أصاب الذاكرة الثقافية من انقطاعات ونسيان، مؤكداً أن تجربة نجيب المانع تمثل واحدة من العلامات المهمة في تاريخ الأدب العراقي الحديث.
وأضاف أن الكتاب لا يقتصر على الجمع والتوثيق الأرشيفي، وإنما يتجاوز ذلك إلى مغامرة نقدية تسعى إلى إعادة الاعتبار لإرث قصصي كاد يطويه الإهمال، مشيراً إلى أن هذا المشروع يأتي امتداداً لجهود الدكتور لؤي حمزة عباس في خدمة القصة العراقية، ومنها مشروع مختارات القصة العراقية القصيرة الذي صدر في عشرة كتب، فضلاً عن مشروع منتخبات التراث العربي.
وتوقف مقدم الندوة عند رؤية المؤلف للثقافة بوصفها كلاً متكاملاً لا فضل فيه للقديم على الجديد ولا للجديد على القديم، وأن القيمة الحقيقية تكمن في الخلق والابتكار بصرف النظر عن الزمن الذي ينتمي إليه العمل الإبداعي.
نجيب المانع وأسئلة الغياب الثقافي
وفي محاضرته قدم الدكتور لؤي حمزة عباس قراءة تاريخية ونقدية معمقة في حياة نجيب المانع ومنجزه الأدبي، مستهلاً حديثه بالتوقف عند مفارقة تستحق التأمل، تتمثل في أن هذه الندوة تعد من الندوات الأولى المخصصة للمانع منذ رحيله عام 1991، كما أنها من المحاولات الأولى التي تتناول إنتاجه القصصي بالدراسة والقراءة النقدية.
وتساءل المحاضر عن أسباب هذا الغياب قائلاً إن من الغريب أن يحضر اسم نجيب المانع بهذا العمق في سفر الثقافة العراقية، ثم لا يحظى بما يستحقه من اهتمام وقراءات بعد رحيله، مؤكداً أن استعادة تجربته تمثل خطوة باتجاه أن تقرأ الثقافة العراقية ذاتها وتعيد النظر في علامات حداثتها.
وأوضح أن نجيب المانع الذي ولد عام 1926 ورحل عام 1991 لم يكن كاتباً عادياً، بل كان علامة حداثية متميزة بما أنجزه من دراسات ومقالات وترجمات وقصص قصيرة ورواية واحدة، الأمر الذي يجعل إعادة قراءة تجربته ضرورة ثقافية ونقدية.
الزبير والبصرة في تشكيل وعي المبدع
وفي المحور الأول من محاضرته تناول الدكتور لؤي حمزة عباس المنحنى الحياتي لنجيب المانع، متوقفاً عند البيئة التي تشكل فيها وعيه الأول، مشيراً إلى أن انتماءه إلى أسرة نجدية استقرت في الزبير منح تجربته أبعاداً ثقافية واجتماعية خاصة.
ورأى أن الزبير لم تكن مجرد مدينة تقع على تخوم البصرة والصحراء، وإنما شكلت منطقة بينية لها تأثير واضح في بناء وعي المانع، وهو ما انعكس لاحقاً على موقعه الثقافي بوصفه مبدعاً ومثقفاً ومترجماً، قادراً على التواصل مع أكثر من بيئة ثقافية ولغوية.
وأشار إلى أن منطقة الشعيبة القريبة من الزبير كان لها أثر مهم في تشكيل وعيه المبكر، إذ أتاح وجود القاعدة البريطانية فيها فرصة الاطلاع على الكتب والأسطوانات الموسيقية التي كان الجنود البريطانيون يتخلصون منها، فيسارع المانع إلى اقتنائها من باعة الكتب والمستعملات. ومن خلال هذه المصادر المبكرة تعرف إلى الأدب الإنجليزي وأسماء أدبية عالمية مثل شكسبير وتوماس هاردي وألدوس هكسلي، كما تعرف إلى الموسيقى الكلاسيكية وأعمال شوبان وباخ وبيتهوفن وغيرهم.
ولفت المحاضر إلى أن هذه التجربة تكشف عن واحدة من أهم خصائص شخصية المانع، وهي اعتماده على التعلم الذاتي والمثابرة الفردية، فقد تعلم الإنجليزية ثم الفرنسية، وتعمق في الموسيقى دون أن يتكئ على تعليم أكاديمي متخصص في هذين المجالين، حتى إنه أطلق على هذا المسار تسمية  جامعة نفسي .
وفي هذا السياق استشهد المحاضر بكلام للمانع يوضح فيه أن اللغة العربية لم تكن كافية في تلك المرحلة لتحقيق الاتصال الثقافي الذي كان يسعى إليه، ولذلك وجد أن الدخول إلى محيط لغة أخرى أو أكثر أصبح ضرورة لتوسيع آفاق المعرفة والتواصل مع الثقافات العالمية.
التكوين الثقافي والفكري
وتناول الدكتور لؤي حمز عباس انتقال المانع إلى بغداد في منتصف أربعينيات القرن الماضي لدراسة الحقوق، وإكماله دراسته الجامعية عام 1947 قبل عودته إلى البصرة.
وأشار إلى ما أورده عبد اللطيف الشواف في كتابه عبد الكريم قاسم وعراقيون آخرون  بشأن تكامل التكوين الثقافي والفكري لشخصية نجيب المانع، مبيناً أن هذا التكوين قام على ثلاثة عناصر أساسية.
تمثل العنصر الأول في الثقافة العربية والاهتمام بعلوم القرآن الكريم وتراث الأدب العربي، فيما تمثل العنصر الثاني في الثقافة الغربية وإجادة اللغتين الإنجليزية والفرنسية والاهتمام بالموسيقى الكلاسيكية والأدب والمسرح والفنون التشكيلية.
أما العنصر الثالث فتمثل في إيمانه بالحركة الوطنية وشعارات الحرية والمساواة والديمقراطية، وقربه من الحزب الوطني الديمقراطي والحزب الشيوعي العراقي من دون أن ينتمي إلى أي منهما.
وأكد المحاضر أن اجتماع هذه العناصر الثلاثة ترك أثراً واضحاً في رؤيته للإبداع عموماً وفي تجربته السردية على وجه الخصوص، وأسهم في بناء شخصية أدبية تمتلك خلفية معرفية متنوعة ورؤية نقدية تتجاوز حدود البيئة المحلية.
ست قصص تكشف عالماً إبداعياً
وفي المحور الثاني انتقل المحاضر إلى التجربة القصصية لنجيب المانع، موضحاً أن نشره للقصة القصيرة امتد بين عامي 1957 و1969، وأن قصصه ظهرت في عدد من المجلات اللبنانية والعراقية، بينها مجلة  الرسالة  اللبنانية ومجلتا  المثقف  و الفنون  العراقيتان، قبل أن ينشر قصته الأخيرة في مجلة  الكلمة  عام 1969.
واستعرض القصص الست التي جمعها في كتابه، وهي  الممثل يضحك الجمهور  و قصة قصيرة كان يجب أن تكون طويلة  عام 1957، و الأعمى والحذاء  و فوكنر على نهر الغراف  و شاعر يعترف  عام 1958، ثم  الدرس الأول  عام 1961، و الدفن  عام 1969.
وتوقف عند قلة عدد هذه القصص مقارنة بغزارة نتاج المانع في مجالات أخرى، متسائلاً عن القيمة الفنية التي يمكن أن تمثلها ست قصص قصيرة في تاريخ القصة العراقية، وعن موقعها من التحولات التي شهدها السرد العراقي خلال خمسينيات القرن الماضي.وفي معرض الإجابة عن أسباب قلة نتاجه القصصي استشهد برأي القاصة والمترجمة ميم ظفر، رفيقة درب الفنان رافع الناصري، التي وصفته في مراسلة شخصية بأنها مبدع ضيعه زمانه، مشيرة إلى أن تشتت نتاجه وعدم مبالاته وكثرة تنقلاته أسهمت في ضياع الكثير من أعماله.
وأضاف المحاضر أن هذه الظروف انعكست على تجربته الروائية أيضاً، إذ تأخر في إنجاز روايته الوحيدة  تماثل المدن  التي صدرت في بغداد عام 1979، فضلاً عن تركه رواية ثانية غير مكتملة بعنوان كل إنسان كوكب.
وفي مقابل ذلك كانت حصيلته في الترجمة والمقالة الأدبية أكثر غزارة، فقد تجاوزت ترجماته عشرين كتاباً في الموسيقى والأدب وحقول معرفية أخرى، كما كتب عشرات المقالات والدراسات عن شخصيات أدبية وفنية عالمية وعربية.
ومن بين الأسماء التي تناولها في كتاباته سكوت فيتزجيرالد وروايته  غاتسبي العظيم  التي عمل على ترجمتها، إلى جانب همنغواي ومارسيل بروست وموزارت وفان غوخ وفاغنر وبيتهوفن والمتنبي وفلوبير وريلكه وبيكيت وشوبان وشكسبير وغيرهم.
كما انشغل بقضايا الشخصية العربية وإشكالات المثقف العربي، وهو ما منح كتاباته بعداً فكرياً يتجاوز حدود الاشتغال الأدبي المباشر.
السخرية والمفارقة في البناء القصصي
وفي قراءته للخصائص الفنية التي ميزت تجربة المانع القصصية، أكد الدكتور لؤي حمزة عباس أن القصص الست تمثل إضافة نوعية إلى مسار القصة العراقية في خمسينيات القرن الماضي، وهي مرحلة شهدت تحولاً مهماً في الكتابة السردية وقطيعة مع الطابع التقليدي لتجارب الرواد، باتجاه كتابة أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين المتغيرات التاريخية والاجتماعية والنضج الفني للنموذج القصصي.
وحدد المحاضر واحدة من أبرز خصائص كتابة نجيب المانع في اعتماده السخرية بوصفها موقفاً نقدياً من الواقع الاجتماعي والثقافي، إذ لم تكن السخرية عنده مجرد وسيلة لإضحاك القارئ، بل أداة للكشف عن العيوب والتناقضات واستغوار طبيعة الوسطين الاجتماعي والثقافي.وأوضح أن المانع وظف المفارقة بذكاء في بناء المواقف القصصية، مستنداً إلى رؤية نقدية تكشف الحماقة البشرية وتضع القارئ أمام تناقضات الواقع بأسلوب فني متماسك.
كما ميز بين السخرية التي تقوم على القسوة والمرارة والعنف في كشف العيوب، وبين السخرية الإصلاحية ذات الطابع الهادئ واللطيف، مشيراً إلى أن تجربة المانع تميل إلى السخرية الهادئة التي تفضح الحماقة البشرية من دون اللجوء إلى المواجهة المباشرة والعنيفة.
استعادة الذاكرة وإنصاف المبدعين
لقد كشفت الندوة عن أهمية إعادة قراءة التجارب الإبداعية التي لم تنل حظها الكافي من الدراسة والاهتمام، ولا سيما أن نجيب المانع يمثل نموذجاً للمثقف العراقي الموسوعي الذي جمع بين الأدب والترجمة والنقد والموسيقى، وامتلك ثقافة واسعة أتاحت له الانفتاح على منجزات الثقافات العالمية.كما أعادت المحاضرة طرح سؤال مهم يتعلق بمسؤولية المؤسسة الثقافية والنقدية في حماية الذاكرة الأدبية من النسيان، وإعادة تقديم الأسماء التي أسهمت في تشكيل ملامح الحداثة العراقية.
وبين كتاب الدرس الأول.. قصص نجيب المانع القصيرة جمع ودراسة  والندوة التي أقامها اتحاد الأدباء، تتجدد الدعوة إلى قراءة هذا المنجز القصصي بوصفه جزءاً من تاريخ السرد العراقي، وإلى إنصاف مبدع ترك وراءه تجربة تستحق أن تستعيد حضورها في المشهد الثقافي العراقي.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير