
لندن/متابعة الزوراء
حين يشاهد البريطانيون برامج القناة الرابعة (Channel 4) عبر منصة ديزني بلس (Disney+)، مطلع العام المقبل، ستكون القناة قد وصلت إلى جمهور جديد، لكنها لن تكون بالضرورة صاحبة العلاقة المباشرة معه. فالاتفاق الذي أعلنته المؤسستان في 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، يفتح أمام القناة البريطانية سوقاً أوسع وإيرادات إضافية، ويطرح في المقابل سؤالاً يتجاوز توزيع البرامج: من يتحكم في وصول المشاهد إلى المحتوى، ومن يستفيد من البيانات التي يتركها وراءه؟
في تصريح لـ»العربي الجديد»، يؤكد متحدث باسم القناة الرابعة أن الشراكة مع ديزني تحقق «المزيج المناسب من الوصول إلى الجمهور وإبراز العلامة التجارية والإيرادات الإضافية والمرونة الاستراتيجية»، مشدداً على أن توسيع الحضور الرقمي لا يعني التخلي عن الدور الذي تؤديه القناة بوصفها مؤسسة إعلامية تقدم خدمة عامة.
ويضيف المتحدث أن «الخدمة العامة تتعلق بالأثر الذي نتركه لدى الجمهور، ولكي نحقق هذا الأثر، علينا أن نكون حيث يشاهد الناس المحتوى، بمن فيهم أولئك الذين قد لا يبحثون عادة عن القناة الرابعة».
يتابع أن المنصة تتيح لهؤلاء المشاهدين اكتشاف برامج القناة، بدءاً من البث المباشر وصولاً إلى مجموعة واسعة من المحتوى المتاح عند الطلب، مؤكداً أن «الهوية الواضحة للقناة الرابعة واختيارنا بأنفسنا للمحتوى واستمرار استقلالنا في قرارات التكليف بإنتاج البرامج، تتيح لنا توسيع نطاق الوصول من دون تغيير ما نمثله».
غير أن احتفاظ القناة الرابعة باستقلالها التحريري وحق اختيار برامجها، لا يوضح بالضرورة مدى سيطرتها على العلاقة التجارية مع الجمهور عبر المنصة الجديدة. وبموجب الاتفاق المعلن، سيُتاح لمشتركي «ديزني بلس» في بريطانيا وأيرلندا، مطلع عام 2027، متابعة البث الرئيسي للقناة الرابعة ومئات الساعات من برامجها، من دون رسوم إضافية على الاشتراك.
كما ستُعرض أعمال جديدة على المنصة تزامناً مع إتاحتها عبر خدمات القناة، من بينها مسلسل «مايا» (Maya) والكوميديا «ستيبينغ أب» (Stepping Up). وستحظى القناة بقسم يحمل علامتها التجارية داخل «ديزني بلس»، لكنه سيعتمد نظام التصفح وتجربة المشاهدة المستخدَمين في بقية المنصة.
وهنا تكمن المفارقة الاقتصادية. فالقناة تستطيع اختيار البرامج التي تريد تقديمها، لكن الإعلان لا يوضح آلية إبراز هذه البرامج ضمن توصيات المنصة، ولا كيفية تقاسم الإيرادات الناتجة من الاتفاق، أو حدود إتاحة بيانات المشاهدة للقناة البريطانية. وهي تفاصيل قد تحدد، على المدى الطويل، مقدار ما تكسبه المؤسسة الإعلامية من جمهور تصل إليه عبر وسيط عالمي.
تزداد أهمية هذه المسألة بالنظر إلى حجم السوق الذي تتيحه «ديزني بلس». فبحسب بيانات مؤسسة قياس الجمهور البريطانية «بارب» (Barb)، كانت المنصة متاحة في 8.9 ملايين منزل بريطاني خلال الربع الثاني من عام 2026، مقارنة بـ7.8 ملايين منزل في الربع السابق. ومن بين هذه المنازل، استخدم نحو 3.6 ملايين اشتراكاً يتضمن الإعلانات.
تمنح هذه الأرقام الاتفاق جاذبية تجارية واضحة للقناة الرابعة، لكنها لا تعني أن جميع هؤلاء المشاهدين سيتحولون إلى جمهور فعلي لبرامجها. فالوصول المحتمل إلى ملايين المنازل يختلف عن عدد الأشخاص الذين سيختارون مشاهدة المحتوى، أو يعودون إليه بانتظام. توفر «بارب» قياسات مستقلة للمشاهدة عبر القنوات والخدمات الرقمية، لكن قياس نسب المشاهدة لا يعادل بالضرورة امتلاك البيانات التفصيلية التي تجمعها المنصة عن سلوك مستخدميها، أو معرفة كيفية تأثير توصياتها في قراراتهم. ولذلك تبقى ترتيبات تبادل البيانات بين الطرفين من الجوانب غير المعلنة في الشراكة.
يأتي الاتفاق في مرحلة تواجه فيها القناة الرابعة ضغوطاً مالية وتنظيمية متزايدة. فقد أظهرت نتائجها لعام 2025 تحقيق إيرادات بلغت نحو 1.03 مليار جنيه إسترليني، بانخفاض سنوي قدره 1%، مع تسجيل عجز قبل الضرائب بلغ عشرة ملايين جنيه.
ورغم هذه الضغوط، ارتفعت إيرادات الإعلانات الرقمية بنسبة 13% إلى 346 مليون جنيه، لتشكل 34% من إجمالي الإيرادات. كما أصبحت المصادر الرقمية والأنشطة التجارية المتنوعة تمثل مجتمعة 44% من دخل المؤسسة، في مؤشر إلى تحول متسارع في نموذج أعمالها بعيداً عن الاعتماد الحصري على الإعلانات التلفزيونية التقليدية.
ويظهر التحول بصورة أوضح بين المشاهدين الأصغر سناً، إذ جاء 53% من إجمالي مشاهدة الفئة العمرية بين 16 و34 عاماً لمحتوى القناة عبر البث الرقمي خلال 2025.
وفي سبتمبر/أيلول الماضي، أعلنت القناة مقترحات لإعادة هيكلتها تتضمن خفض نحو 340 وظيفة، تعادل 28% من قوتها العاملة، بحلول نهاية 2026، بهدف تقليص النفقات غير المرتبطة بالبرامج وتوجيه موارد أكبر إلى الإنتاج. ولم تربط القناة هذه التخفيضات باتفاق «ديزني بلس»، الذي أُعلن لاحقاً، لكنها تعكس الضغوط الأوسع التي تدفع المؤسسات التلفزيونية إلى البحث عن نماذج تجارية جديدة.
(عن/صحيفة العربي الجديد)