
الفنان العراقي الراحل واثق السامرائي يُعد أحد أبرز الرواد والمؤسسين الأوائل للحركة المسرحية في دولة الإمارات العربية المتحدة. فكإن دوره المحوري تركز في نقل الشغف المسرحي من البصرة إلى شواطئ دبي والشارقة مطلع ستينيات القرن الماضي، مساهماً في بناء البنية التحتية والجمالية للمسرح الإماراتي.
بنى أول خشبة مسرح: واجه السامرائي عند وصوله عام 1963 غياب التجهيزات والأيدي العاملة الحرفية المتخصصة في المسرح. فقام بالتعاون مع نجارين مصريين متطوعين بتدشين أول عمود مسرحي في نادي الشعب الرياضي بالشارقة في يونيو 1963، واضعاً اللبنة الأولى للمسرح الفيزيائي والدرامي بالمنطقة.
أسس الفرق وتقديم العروض الأولى: أطلق أول عرض مسرحي جماهيري بعنوان «من أجل ولدي» في اب1963 وحضره ولي عهد الشارقة آنذاك، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي. كما أسس فرقته الثانية في نادي الشباب بدبي، وقدّم عرض «سامحيني» تحت رعاية المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم. وحظيت بعض عروضه المبكرة بحضور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. كما لم يقتصر دوره على الإخراج والتمثيل والإشراف الموسيقي فحسب، بل كان كاتباً مسرحياً بارعاً مزج فيه بين نصوص الأدب الدرامي والهوية والخصوصية الخليجية عبر أعمال شهيرة مثل: «مطوع خميس»، و*»العدالة»، و»لو العمة تحب الكنة كان إبليس دخل الجنة».
تبدأ قصة واثق السامرائي منذ أن رسا على خور دبي، قادماً من البصرة، تحديداً في الـ 22 من إبريل عام 1963. قيل، حينها، إنه يقل شاباً عراقياً مجهول الهوية.. ولم تطل بنا المتاهات حتى علمنا أن القادم ذاك، هو شاب عراقي اسمه واثق السامرائي، والذي ظل يمثل بالنسبة للكثير منا، لغزاً محيراً وجاذباً، رغم تعدد وتنوع، مناسبات وأشكال حديثنا، عنه ومعه.
تحمل حكاية واثق السامرائي في طياتها، أسئلة لا تعد أو تحصى، ففي فلكها تدور تساؤلات جمة، تحتاج إجابات ملحة. ومن بينها:
أولاً، لماذا جاء السامرائي في مثل ذلك التوقيت، من منطقة تعيش بوادر نهضة حيوية، إلى أخرى كانت لا تزال، آنها، بعيدة عن الأضواء، إلى حد ما، فما الذي دفع السامرائي، آنئذ، يا ترى، إلى الرحيل عن العراق المزدهر.. وماذا عن طبيعة الوضع السياسي في بلاد الرافدين حينذاك؟
ثانياً، ما أسرار هذا الشاب؟ وكيف يمكن أن نحلل تلك الطريقة التي وصل بها، خاصة أنه شكل، بعد أيام على وصوله، أهم مرحلة متوسطة ناهضة في تاريخ المسرح في الإمارات، إذ انتقل به إلى مطاف تطور نوعي عاش في ظله، فترة ذهبية لا يزال يشار إليها حتى الآن.
جميع تلك التساؤلات، تمثل في إجاباتها ووحي تداعيات الأفكار التي تطرحها، نقاط كشف وتعريف مفصليين.. إلا أن المحير، هو كون السامرائي، والذي أفلح بفضل قدراته المتميزة، في صوغ مسار فريد لنماذج نهضة المسرح الإماراتي ورفعته خلال فترة محدودة اتسمت بالإنتاج والاندفاع والحماس، اختار أن يغادر الساحة الفنية والثقافية عموماً، التي كانت مفتوحة أمامه على مصراعيها، ليستقر في مطرح مغاير، أراد معه أن يقبع وحيداً في الظل.
وذلك بينما هو بقي يقيم في مدينة العين في أبو ظبي. وأصبح مع الحالة تلك، لا يظهر إلا في مناسبات تلبية دعوة ما، وطبعاً، غالباً ما كان لا يتم ذلك. فغدا ظهوره، بهذا، أمنية وشغفاً ملحين، لدى أهل المسرح، خاصة لمن عرفه من جيله، أو من تعرف عليه لاحقاً.
يشكل واثق السامرائي قصة جميلة متميزة، لابد من الحديث عنها خارج سياق تداعيات التاريخ. فمنذ وصوله الإمارات، أبى إلا أن يقدم كل ما يملك من طاقات ومعارف وخبرات في حقل «أبو الفنون»، ليفيد بها المسيرة المسرحية والفكرية في الإمارات.
رحلة واثق السامرائي من اجل المسرح جاءت برؤية تتجاوز السرد التقليدي نحو أفق فلسفي تاريخي عن الزمن، والهوية، والمسرح بوصفه فعلًا ثقافياً وحضارياً. والتوثيق الدقيق تمزج بين التاريخ العائلي، والإرث الفني الثقافي، والذاكرة الجمعية لجيل من المسرحيين الذين عاصروا مرحلة تألق والدها وقيادته لحركة المسرح الإماراتي، لتطرح سؤالاً جوهرياً.
إن تجربة واثق السامرائي فناناً مسرحياً وكاتب روايات أدبية مسرحية، وصاحب رؤية فلسفية تضمنت مشروعاً حضارياً تنويرياً، بدأه شاب عراقي جاء عبر الخليج العربي يحمل أفكاره المتميزة ونصوصه المسرحية ليبني أول لبنات المسرح الدرامي في بيئة عربية خليجية ناشئة.. ابتكر عروضاً مزج فيها الهوية الخليجية الحديثة بنصوص الأدب المسرحي الدرامي، وإلى جانب تأليفه للنصوص المسرحية، كان واثق السامرائي أيضًا مخرجا وممثلا مسرحيا ومشرفا على الموسيقى، قام بإخراج مسلسلات اذاعية مما أضفى طابعاً فنياً متكاملاً وكذلك بنى المعماري واثق السامرائي أسس العمارة الحضارية. وشرع في مهمة التخطيط المعماري وشارك في بناء المساكن الشعبية، وترك بصمة ابداعية في تاريخ العمارة الحديثة والمسرح الإماراتي العربي ويُعتبر من المؤسسين الأوائل لهذا الفن في المنطقة.
من بين أبرز أعماله المسرحية: من أجل ولدي، العدالة مطوع خميس، لو العمة تحب الكنة كان إبليس دخل الجنة. مد ريولك على كد لحافك، ولكن، تبقى لحكاية قدومه من بلده، في تلك الفترة، سمات خاصة وظروف محددة. إذ كان العراق يعيش أقسى الأوقات وأمرها، منغمساً خلالها، في دوامة صراعاته الحزبية والسلطوية، إثر انقلاب عسكري قاده عبد السلام عارف ضد حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم، والذي كان قد قاد ثورة 14 تموز عام 1958، فأطاح بالحكم الملكي.
وكان عارف قد أخضع لسيطرته إذاعة وتلفزيون بغداد. استمرت حالة هذه الحرب الأهلية، أكثر من أسبوعين، شهد العراق فيها، أبشع أنواع القتل والتدمير والفتك بكرامات الناس وأعراضهم. ومن ثم انتهت باغتيال عبدالكريم قاسم في محطة الإذاعة، على يد عبد السلام عارف شخصياً، والذي استدرجه إلى الحوار، ولكنه لم يحاوره، إنما قتله بدم بارد.
وكذا تعرضه للأخطار، إذ يحتمل أنه كان من الجبهة التي خسرت المعركة، أي في صف عبد الكريم قاسم. إلا أن هذا بالعموم، ربما لا يهمنا محورياً، في سياق موضوعة بحثنا حول واثق السامرائي، فما تعنينا أكثر، حركته الديناميكية، منذ وصل دبي، حيث اتصل ببعض المقيمين العرب فيها، وجهد في محاولاته المتنوعة، لتتويج اندفاعته العملية، بإقامة مسرح في دبي. ولكنه أحبط، بداية، وتلاشت أحلامه بتأثير من رفضوا الإصغاء إليه.
اختار واثق السامرائي، في يوم 11 أيار عام 1963، الانتقال إلى الشارقة، فاستأجر منزلاً، لقاء عشرين روبية في الشهر الواحد. ومن ثم اكتشف في 16 منه مقهى يقع في مقابل منطقة الرولة في الشارقة، تعرف ضمنه على شباب إماراتيين، وفي مقدمهم: محمد صفر وشقيقه عبد الرحمن صفر، واللذان تجاوبوا معه، إلى أبعد الحدود، فكانت انطلاقته الفعلية، من هذا المقهى، الواقع قبالة الرولة.
أخذ الأخوان صفر، ومعهم مجموعة من الشبان، السامرائي، إلى نادي الشعب. وهناك بحث مع المسؤولين فكرة تأسيس فرقة مسرحية. وبناء عليه، دعاه الشيخ صقر القاسمي، إليه، وأعرب عن دعمه الفكرة، لا بل تبناها وتبرع بكل ما تحتاجه من أموال. وبعد أيام قليلة، ذهب واثق السامرائي، صحبة الشيخ صقر القاسمي، إلى السوق، واشترى ما يحتاجه لبناء المسرح، من أخشاب وستائر ومواد أخرى، إذ دفع الشيخ صقر القاسمي، المبالغ المالية للتكلفة المادية لجميع تلك المشتريات.
واجه واثق السامرائي مشكلة عدم توافر الأيدي العاملة الحرفية، التي تجهل كيف تبني مسرحاً. ولكنه استطاع أن يتصل ببعض النجارين المصريين العاملين، آنئذ، في شركة «اتحاد المقاولين العرب». فقدموا له المساعدة، إذ تبرعوا ببناء المسرح الذي كان يخطط له ويحلم به. ويوضح واثق في حديثه الذي نشر في جريدة الخليج، في 8 كانون الثاني عام 1981، أنه في يوم 22 تموز 1963، استكمل بناء أول عمود للمسرح في الإمارات، في «نادي الشعب الرياضي». بدأ واثق كتابة نصه المسرحي الأول: «من أجل ولدي»، عقب تلك المرحلة، وشرع إثرها في تدريب الممثلين على النص، وانطلق العرض الأول في الـ 19 من شهر اب أغسطس عام 1963. وحضره ولي عهد الشارقة حينذاك، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي. إذ ألقى سموه كلمة شكر، أثنى فيها على جهود أعضاء الفرقة، مبيناً أهمية المسرح وما يحققه من أثر إيجابي نوعي في المجتمع. وواصل فريق العمل المسرحي ذاك، عمله، بقيادة السامرائي، فقدم عملاً آخر، بعنوان» العدالة»، في 23 أيلول سبتمبر عام 1963.
اشتهر واثق في الأوساط الثقافية في الإمارات، في تلك الأثناء، وبات معروفاً لدى الفعاليات والجهات المتخصصة، بمجملها.. وهكذا زاره، كل من أحمد صالح الخطيب وعبد الرحمن الفارس، وعرضا عليه العمل في دبي، وتشكيل فرقة مسرحية فيها.
وكما يقول واثق، إنهما كانا مبعوثين من قبل المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ مكتوم بن راشد، الذي كان يومها، رئيساً فخرياً لنادي الشباب (كان نادي الشباب يقع قرب سوق الذهب). وبناء على ذلك، شرع واثق في ترتيب وتحضير ما يتطلبه تشكيل فرقته الثانية تلك، في نادي الشباب، بدءاً من الخامس من شهر نوفمبر لعام 1963م.
وكان من بين أعضائها: جمعة غريب، أحمد صالح الخطيب، عبدالله بالخير، أحمد العصيمي، عبدالرحمن الفارسي، ربيع خليفة، سالم حمد، بطي بن بشر. ولم تطل الفترة الزمنية تلك بالسامرائي، حتى بدأ مع هذه الفرقة، بروفات مسرحية جديدة كتبها: (سامحيني)، وذلك تحديداً في التاسع من نوفمبر في العام نفسه. ومن ثم بدأت عروضها في الـ12 من ديسمبر. ولكن هذه الحلقة من ملامح تجربة واثق في دبي، لم تكتمل. إذ سافر، فجأة، إلى قطر، ومكث ثلاثة أشهر هناك، لم يغب خلالها عن المسرح، حيث قدم فيها مسرحية «من أجل ولدي».
ولم تدم أيام واثق في قطر، كثيراً، فسرعان ما حن إلى دبي، وهكذا عاد إليها ليلتصق بفريقه المسرحي عينه. ومن ثم انكب على التمرس والتدريب المكثفين، ضمن بروفات عمل خاصة بمسرحية بعنوان «خالد بن الوليد». وحينها، استأجر فريق العمل، مقراً له، فوق سطح فندق «شط العرب»، أقام ضمنه، أيضاً، مسرحاً خاصاً. وعرضت المسرحية في دبي، وكذلك على مسرح سينما رأس الخيمة، عقبها، حيث حضرها المغفور له الشيخ صقر القاسمي. فقد واثق السامرائي حماسه المسرحي، على حين غرة، عقب أن أسس شركة مقاولات، وانغمس في أعمالها ومشروعاتها، وذلك إلى حد، أجبرته معه، التخلي عن هوايته ومسرحه، ليتفرغ لمقتضياتها. وبذا خسر المسرح أحد أهم أعمدته، آنها. ولكن الأمر لم يكن يمكن له أن يتوقف أو يثبت على هذا النحو. وهكذا عاد السامرائي إلى الساحة المسرحية، تحت ضغط جمعة الحلاوي في أبوظبي، ليقدم مع نادي الفلاح الرياضي، مسرحية «طبيب في القرن العشرين»، والتي حضر عرضها، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
تابع واثق السامرائي نشاطه الفني المسرحي، بعدها، بشكل مكثف، في أبوظبي. فقدم مجموعة أعمال كتب هو نصوصها، تتمثل في: (مطوع خميس)، (لو العمة تحب الكنة كان إبليس دخل الجنة)، (مد ريولك على كد لحافك). ولكن أعماله المسرحية توقفت فجأة، في تلك المحطة، بفعل ضعف أو غياب الدعم المادي لفرقته في أبوظبي، آنها، كما يذكر.
فتلك لم تكن رحلة ترفيه سياحي، إنما مغامرة كبيرة، دفعها، بلا أدنى شك، شعور أكبر بالخطر، تملك ذاك الشاب، فدفعه إلى خوض غمار تجربة هجرة الوطن، عبر مغامرة بحرية، وكأني به السندباد يقلع من البصرة، مصارعاً أمواج البحر وعواصفه وأخطاره. غاب جيل واثق السامرائي عن الساحة الفنية والفكرية، حالياً، إلا اننا معنيون، بقراءة وتقليب مضمون وتشويق تلك الأيام، لترسيخ مفاهيم عديدة، ربما نكون فقدنا حضورها وأضعنا وحيها ووهجها. أو أننا، وعبر استعادتها في مثل هذا القالب، بمقدورنا توثيق وتثبيت جملة رؤى ومنجزات، سطرها واثق السامرائي. وجيله من الرواد، في كتاب الإنجاز المسرحي النوعي في الإمارات، إذ شكلوا ظواهر مهمة. ومن هؤلاء: جمعة غريب، جمعة الحلاوي، عبدالله بالخير، عبدالرحمن فارس، ربيع خليفة، سالم حمد، بطي بن بشر. كما لا يفوتنا أن نشير إلى أهمية وقيمة الدور الكبير، لحكام الإمارات، سابقاً وحالياً، في رفد وتقوية مسارات نهوض الحركة المسرحية والثقافية عموماً. إذ لقي واثق بفضل هذه الرؤى، كبير الدعم والتشجيع.. ويعد واثق السامرائي قصة جميلة متميزة، لابد من الحديث عنها خارج سياق تداعيات التاريخ. فمنذ وصوله الإمارات، أبى إلا أن يقدم كل ما يملك من طاقات ومعارف وخبرات في حقل «أبو الفنون»، ليفيد بها المسيرة المسرحية والفكرية في الإمارات.